عبد الله الأنصاري الهروي
343
منازل السائرين ( شرح القاساني )
ومشتهياتها كتخريب البلدان والعمران بالسيول والأمطار والزلازل « 1 » وسائر الحوادث ، وإهلاك الأقوام والحرث والنسل بالصواعق والسمائم والرياح الباردة والعواصف والقواصف والثلوج والأعاصير ، وأمثال ذلك من الآفات والنوائب - إلى اللّه تعالى « 2 » وترك الاعتراض عليه والانقياد لحكمه وأمره ، فإنّه أعلم بذلك . فيجب أن يسلّم له حكمه ، ويعلم أنّ هذه الأمور واقعة « 3 » بمشيئته « 4 » ، ومشيئته تابعة لحكمته « 5 » فلا يخطر بباله اعتراض في ذلك « أ » .
--> ( 1 ) ج خ ، ب : الزلزال . ( 2 ) م : - تعالى . ( 3 ) ه : واقع . ( 4 ) د : بمشيّة اللّه . ( 5 ) م خ : لحكمه . ( أ ) أعرض الشارح هنا عمّا قاله التلمساني في شرح هذا المقطع ، حيث قال : « الذي يزاحم العقول ، هو ترك الأسباب ، فإنّ العقل يحكم أنّ تارك الاكتساب بالأسباب ربّما جاع أو عطش ، فلا يجد الطعام والشراب ، أو عري فلا يجد ما هو معتاد به من الأثواب ، أو عرضت له حاجة ما توصله إليها إلّا بالاكتساب . فكأنّه يقول : إنّ التسليم يقتضى التجريد ، والعقل ينهي عنه ، فمن حقّق مقام التسليم حتّى صحّ له وكمل عنده ، فهو تسليم إلى اللّه تعالى ممّا هو غيب عنه ممّا يزاحم العقول والأوهام ، فلا يلتفت إلى السبب في كلّ ما غاب عنه من أمور الدنيا والآخرة . وفيه معنى آخر ، وهو التسليم لما يبدو لك من معاني الغيب ، ممّا يزاحم العقول ، أي يخالفها في مبادئ الحال ، ويشقّ على الأوهام أيضا ، أي يتوهّم المكاشف أنّها تضرّه ؛ وذلك تكثر عند مبادئ المكاشفة ، خصوصا إن كان من أهل الخلوة والانقطاع عن الحسّ ، فإنّ الأمر يكون أصعب ، ولا سيّما إن انفتح له عالم الخيال في الخلوة ، فإنّه يبدو له من الغيب صور منكرة من عوالم النفس ، وربّما تمثّلت له صفات نفسه في صورة ، مثل أن تتصوّر له نفسه في صورة أسد ، إذا كانت الصفة السبعيّة غالبة عليها ؛ أو تبدو له صورة إنسان في سلاسل وقيود ، فهي صورة نفسه المقيّدة بالجهالات والأوهام ، فيخالف في عاجل الأمر من صور ما يتمثّل له ، ويعتقد أنّها في الحسّ ، وليست في الحسّ ، بل هي في خياله وفي وهمه . ولا بدّ لأصحاب الخلوات من رؤية هذه الأشياء . ثمّ يتنقل من صور قبيحة إلى صور حسنة ، حتّى تتمثّل له أرواح الملائكة ، وقربه من معاني الروحانيّات ما يزاحم عقله المحجوب ، ويشقّ على وهمه ، إذ هو مغلوب . فالشيخ - رحمه اللّه - يشير إلى مثل هذا المكاشف في الدرجة الأولى أن يسلّم إلى اللّه تعالى مازاحم عقله وما شقّ على